أزمة النمو غير المنتِج في الاقتصاد الصومالي (الافتتاحية)

سجّل الاقتصاد الصومالي نموًا بنسبة 4.1% خلال عام 2024، وفقًا لأحدث بيانات صادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الوطني.

ورغم أن هذا النمو يواصل اتجاه التعافي المتواضع، بعد نمو بلغ 4.2% في عام 2023، إلا أن خلف هذه الأرقام الإيجابية تكمن حقيقة هيكلية مقلقة: النمو الصومالي مدفوع بالاستهلاك وليس بالإنتاج.

فقد ارتفع الناتج المحلي الإجمالي الاسمي من 10.96 مليار دولار في 2023 إلى 11.97 مليار دولار في 2024، كما زاد نصيب الفرد من الناتج من 694 دولارًا إلى 737 دولارًا.

غير أن الدخل القومي القابل للتصرف بلغ 18.2 مليار دولار، بدعم من تدفقات قوية من التحويلات الخارجية والمساعدات الدولية. ويكشف هذا الفارق، البالغ أكثر من 6 مليارات دولار، مدى اعتماد الأداء الاقتصادي على مصادر خارجية.

وتُظهر البيانات أن الاستهلاك الأسري، وهو أكبر مكونات الاقتصاد، نما بنسبة 8.8%، أي أكثر من ضعف معدل نمو الناتج المحلي. وبلغت نسبة الإنفاق الأسري إلى الناتج المحلي الإجمالي 133%، وهي نسبة مرتفعة حتى بين الدول منخفضة الدخل، ما يعكس اعتمادًا مفرطًا على الواردات والدخل الخارجي لتمويل الطلب المحلي.

ويشير التقرير إلى أن هذا الإنفاق المرتفع “تم تمويله في الغالب من التحويلات الخارجية والمنح.” ورغم أن هذه التحويلات تشكّل شريان حياة لملايين الأسر في الصومال، إلا أن هذا الاعتماد يثير تساؤلات جوهرية حول الاستدامة والقدرة على الصمود، خاصة في حال حدوث تقلبات اقتصادية عالمية أو تغييرات في سياسات الهجرة أو تراجع دعم المانحين.

وفي المقابل، ارتفعت واردات السلع والخدمات بنسبة 28.5% لتصل إلى ما يعادل 99.1% من الناتج المحلي، بينما نمت الصادرات بنسبة 42.3% لكنها لم تتجاوز 31.2% من الناتج، ما يعمّق من عجز الميزان التجاري ويكشف هشاشة القاعدة الإنتاجية المحلية.

حتى الاستثمارات الثابتة، التي نمت بنسبة 21.1%، تركزت في قطاعات مثل البناء والعقارات الحضرية، وغالبًا بتمويل من تحويلات الشتات، ما يشير إلى ضعف في تنويع النشاط الاقتصادي، في ظل محدودية الاستثمار في القطاعات القابلة للتداول مثل الصناعة التحويلية أو الزراعة التجارية.

أما الإنفاق الحكومي النهائي، فبلغ 7.8% فقط من الناتج المحلي رغم نموه بنسبة 16%، ما يعكس ضعف قدرة القطاع العام على قيادة التحول الهيكلي المطلوب.

وتؤكد هذه الأرقام أن الاقتصاد الصومالي يستهلك أكثر بكثير مما ينتج، وأن مصادر النمو الحالية—كالتحويلات والمساعدات والبناء—رغم أهميتها، لا تمثل بديلًا لنمو قائم على الإنتاج المحلي والتصدير.

وهنا تبرز معضلة الاقتصاد الصومالي: هل يمكن للبلاد الانتقال من نموذج يقوده الاستهلاك إلى نموذج إنتاجي قائم على القيمة المضافة، والصناعات المحلية، والصادرات المستدامة؟ وهل تمتلك الحكومة الإرادة السياسية والقدرة المؤسسية لتوجيه الاستثمارات نحو قطاعات مولدة للوظائف وتقلل الاعتماد على الخارج؟

إن استمرار هذا النمو غير المتوازن يعرّض البلاد لمخاطر كبيرة في حال تراجع التدفقات الخارجية. ولتحقيق نمو شامل ومستدام، لا بد من الاستثمار في الزراعة، والثروة السمكية، والتصنيع الخفيف، والابتكار الرقمي—كل ذلك يستند إلى مؤسسات موثوقة واستثمار عام رشيد.

فالنمو بلا إنتاج هو نمو بلا أمان. وعلى الصومال أن يواجه هذه الحقيقة إن أراد أن يؤسس لاقتصاد مزدهر يليق بطموحات شعبه.